الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
70
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حقيقة . والذهاب في قوله : لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ مجاز في الأخذ ، كقوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] ، أي أزاله . إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ . ليس إتيانهنّ بفاحشة مبيّنة بعضا ممّا قبل الاستثناء لا من العضل ولا من الإذهاب ببعض المهر . فيحتمل أن يكون الاستثناء متّصلا استثناء من عموم أحوال الفعل الواقع في تعليل النهي ، وهو إرادة الإذهاب ببعض ما آتوهنّ ، لأنّ عموم الأفراد يستلزم عموم الأحوال ، أي إلّا حال الإتيان بفاحشة فيجوز إذهابكم ببعض ما آتيتموهنّ . ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا في معنى الاستدراك ، أي لكن إتيانهنّ بفاحشة يحلّ لكم أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ ، فقيل : هذا كان حكم الزوجة التي تأتي بفاحشة وأنّه نسخ بالحدّ . وهو قول عطاء . والفاحشة هنا عند جمهور العلماء هي الزنا ، أي أنّ الرجل إذا تحقّق زنى زوجه فله أن يعضلها ، فإذا طلبت الطلاق فله أن لا يطلّقها حتّى تفتدي منه ببعض صداقها ، لأنّها تسبّبت في بعثرة حال بيت الزوج ، وأحوجته إلى تجديد زوجة أخرى ، وذلك موكول لدينه وأمانة الإيمان . فإن حاد عن ذلك فللقضاة حمله على الحقّ . وإنّما لم يجعل المفاداة بجميع المهر لئلا تصير مدّة العصمة عريّة عن عوض مقابل ، هذا ما يؤخذ من كلام الحسن . وأبي قلابة ، وابن سيرين وعطاء ؛ لكن قال عطاء : هذا الحكم نسخ بحدّ الزنا وباللعان ، فحرّم الإضرار والافتداء . وقال ابن مسعود ، وابن عباس ، والضحّاك ، وقتادة : الفاحشة هنا البغض والنشوز ، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ منها . قال ابن عطيّة : وظاهر قول مالك بإجازة أخذ الخلع عن الناشز يناسب هذا إلّا أنّي لا أحفظ لمالك نصّا في الفاحشة في هذه الآية . وقرأ الجمهور : مبيّنة - بكسر التحتية - اسم فاعل من بيّن اللازم بمعنى تبيّن ، كما في قولهم في المثل « بيّن الصبح لذي عينين » . وقرأه ابن كثير ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف - بفتح التحتية - اسم مفعول من بيّن المتعدي أي بيّنها وأظهرها بحيث أشهد عليهنّ بها . عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً